عبد الملك الجويني
425
نهاية المطلب في دراية المذهب
يفارق المنازل " ، واسم المنازل يختص بالعامر ، الذي يمكن أن يسكن ، وهذا يظهر تعليله ؛ فإن المسافر هو البارز من مكان الإقامة ، والخراب ليس مكان إقامة ، فهذا وجهٌ . وهو سديد وتعليله بيّن . ولكن شرط ذلك ألاّ يكون وراء الخراب عمارةٌ معدودة من البلد ، فإن كان ، فلا شك أن الخراب من البلدة ، ولا بد من مجاوزة منتهى العمارة . 1261 - وأما شيخنا فإنه كان يفصل القول في الخراب الواقع على طرف الخِطة ، ويقول : إن كانت آثار الأبنية باقية ، فلا بد من مجاوزتها ؛ فإنها تُعدّ من البلدة ، وقد ثبت أن مجاوزة البلدة لا بد منها ، ثم كان يقول : يتصور فيها أحوال ، نخرّجها على حكم البلدة ، ونحن واصفوها ، منها : أن يتخذها الناس مزارع ، فإذا انقلبت مزارع ، فليست الآن من البلدة وفاقاً ؛ فإنها خرجت عن أن تكون مساكنَ قصداً . وكان يقول : إن سُوِّرَ العامرُ ، وأخرج الخراب ، فيكفي مجاوزةُ السور المحوط على العمران ؛ فإن سكان البلدة اعتمدوا إخراجَ الخراب ، وكان يقول في هذه الصورة : لو سوّروا على العامر ، وحوطوا سوراً آخر على الخراب ، فلا بد من مجاوزة السورين . ومما يطرأ على الخراب أن يندرس بالكلية ، ولا يبقى له أثر . كان يقول : هذا يُخرجها عن خِطة البلدة ؛ فإن آثار البنيان يَظهر عدُّها من البلد ، فأما الدارس المنطمس ، فلا . ومما يذكر في الخراب أنه لو اتخذ منها بساتين ، وكانت منازلَ ودوراً ، فإن كان ملاكها لا يسكنونها ولا يخرجون إليها إلا متنزهين ، أو لنقل الثمار ، وإنما يأوي إليها الأكَرَة ( 1 ) والنواطير ، فهي كالمزارع ، فتخرج عن الخطة ، وإن كان ملاكها يسكنونها ، فهي من البلدة ، ولكنها سكنت قديماً دوراً ، وهي الآن مسكونة على هيئة أخرى . وكذلك إذا كان ملاكها يأوون إليها منتقلين إليها في بعض فصول السنة ، فهي مَحِلة نَزِهة من البلد ، فلا بد من مجاوزتها . والذين لا يعدّون الخراب من البلد في الطريقة الأولى يوافقون على هذا التفصيل في البساتين .
--> ( 1 ) الأكرة : بفتحات ثلاث جمع أكار ، وهو الحراث ، من : أكرْتُ الأرض : حرثتها . ( المصباح ) . والمراد هنا كل من يعملون في زراعة الأرض وحراستها .